الشيخ محمد رشيد رضا
406
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مواقف القيامة وأحوالها ، ويكونون صما لا يسمعون شيئا يسرهم ، عندما يسمع المؤمنون المتقون بشرى المغفرة من ربهم . ويؤيد هذا التفسير مجموع ما ورد في الآيات والروايات من بيان حال الكفار في الآخرة وروي نحوه عن ابن عباس ( رض ) فظهر الفرق بينه وبين آيتي البقرة المراد بهما اجتماع الصمم والبكم والعمى في حال واحدة ووقت واحد كأنها صفة واحدة ، ولو حصل بعضها دون بعض لما أفادت انهم لا يؤمنون وتأمل كيف بدأ بذكر الصم في سياق الكلام عن دعوة الاسلام وبيان اعراضهم عن قبولها ، وبدأ بذكر العمي في سياق الكلام عن الحشر ، فياللّه العجب من دقائق بلاغة هذا القرآن التي أعجزت البشر ، وكلما غاص غائص في بحارها استفاد شيئا جديدا من فرائد الدرر ، فلا تنفد عجائب إعجاز مبانيه ، ولا تنتهي عجائب إعجاز معانيه . * * * ( 40 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ ( 41 ) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ( 42 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 43 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ، وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 44 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 45 ) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هذا قول مستأنف أمر اللّه تعالى رسوله ( ص ) ان يوجهه إلى المشركين مذكرا إياهم بما أودع في فطرتهم من توحيده عز وجل ليعلموا ان ما تقلدوه من الشرك عارض فاسد يشغل أذهانهم ومخيلاتهم في وقت الرخاء ، وما يخف حمله من البلاء ،